أحمد مصطفى المراغي

118

تفسير المراغي

( ثُمَّ هَدى ) أي ثم أرشده كيف ينتفع بما أعطاه ويرتفق به ، وكيف يصل بذلك إلى بقائه وكماله إما اختيارا كما في الحيوان وإما طبعا كما في النبات والجماد . وخلاصة هذا - ربنا الذي خلق كل شئ على الوجه الذي يليق بما قدّر له من المنافع والخواص ، وأرشده كيف ينتفع بما خلق له ، وجعل ذلك دليلا على وجوده ، وعظيم جوده ، وكأنه يقول له : إن ذلك الخالق والهادي هو اللّه . وبعد أن أخبر موسى فرعون بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدر - شرع فرعون يحتج بالقرون الأولى الذين لم يعبدوا هذا الإله ، وهذا ما أشار إليه بقوله : ( قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ؟ ) أي فما حال القرون الماضية كعاد وثمود الذين لم يعبدوا اللّه بل عبدوا غيره ؟ . فأجاب موسى : ( قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ) أي إن ذلك من علوم الغيب التي لا يعلمها إلا اللّه ، فهو الذي ضبط أعمالهم وأحصاها في كتاب لا يشذّ عنه شئ ، ولا يفوته شئ ، لا كبير ولا صغير ، ولا ينسى شيئا ، وسيجزيهم بما عملوا جزاء وفاقا . وقصارى ذلك - إن علمه تعالى محيط بكل شئ ، وأنه لا ينسى شيئا ، تبارك وتعالى ، فعلمه ليس كعلم المخلوقين الذي يعتريه النقص من وجهين : عدم الإحاطة بالأشياء ، ونسيانها بعد علمها . وإنما سأل فرعون هذا السؤال لخوفه أن يزيد موسى في إظهار تلك الحجة فيستبين للناس صدقه ، فأراد صرفه عن ذلك ، وشغله بالقصص والحكايات التي لا تعلق لها بشؤون رسالته ، لكن موسى كان أحرص من أن يهتم بمثل هذا ، ومن ثم أوجز في رده . ووكل أمر ذلك إلى ربه .